محمد سالم أبو عاصي
43
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
من سابقه - كما ينتقل من غرض إلى غرض - عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه . وأما أن أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا ، ويجمع في يديك هذين الطرفين معا . . كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارا معا ، أو كما يسري الروح في الجسد ، والماء في العود الأخضر ؛ فذلك ما لم تظفر به في كلام البشر ، ولا هو من سنن اللّه في النفس الإنسانية . فمن لك إذن بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين ، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين ؟ ذلك . . اللّه رب العالمين . فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن ، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان ، وأن يمزج الحق والجمال معا . . يلتقيان ولا يبغيان ، وأن يخرج من بينهما شرابا خالصا سائغا للشاربين . وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت . . ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة ؟ ! أولا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظّ القلب من تشويق وترقيق ، وتحذير وتنفير ، وتهويل وتعجيب ، وتبكيت وتأنيب . . يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها ؟ ! . . تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الزمر : 23 ] ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) [ سورة الطارق : 13 - 14 ] " « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : النبأ العظيم ، ص 89 ، 90 ، 113 ، 115 .